أبي منصور الماتريدي
478
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يكن أعطي قوة الإيمان ، لم يكن يعاتب على تركه ؛ لأنه لا عذر للعبد أعظم من أن يقول إذا قيل له : لم لا تؤمن ؟ « 1 » فيقول : لأني لم أقدر عليه . ولأن قوله - تعالى - : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ حرف تعجيب ، ولو كانت القوة ممنوعة قبل الفعل ، لكان له أن يقول : إنما لم أؤمن ؛ لأني منعت عنه ؛ فيرتفع عنه التعجيب ؛ فدل أنه أعطي القوة ؛ فلم يبق له في التخلف عن الإيمان عذر . والجواب عن الفصل الأول : أن الكافر إنما لحقته كلفة الإيمان ؛ لأنه هو الذي ضيع القوة باختياره فعل الكفر ، وإنما ترتفع الكلفة إذا منعت عنه الطاقة ، فأما إذا كان هو الذي ضيعها ، فالكلفة عليه قائمة . والأصل أن القدرة في الصحيح السليم تحدث تباعا على قدر حرصه على العبادة وميله إليها . ثم العبد متى اشتغل بفعل صار مضيعا لضده من الأفعال ، لا أن كان ممنوعا من « 2 » الفعل الذي هو ضد هذا ؛ فلذلك إذا آثر الكفر ، وأتى به ، فقد صار باختياره الكفر مضيعا لقوة الإيمان ، لا أن صار ممنوعا عنها ؛ لذلك لحقته كلفة الإيمان . وأما ما ذكر من أمر التعجيب فقد وصفنا وجه التعجيب في ذلك ، وهو أنهم لم يلزموا الكفر بحجة دعتهم إلى القول به ، والمرء إذا قلد مذهبا - قلده لا عن حجة وبرهان - تعجب الخلق باختيارهم الكفر لا عن حجة . ثم لو كان الأمر على ما ظنت المعتزلة : أن الله - تعالى - قد أعطاهم جميع أسباب الهداية ، ولم يبق في خزانته شيئا منعه عنهم ، لكان التعجب راجعا إليه ، لا إلى الذين لم يؤمنوا ، فيقول : ما لي لا أصل إلى هدايتهم ، ولم يبق عندي شيء به هدايتهم إلا وقد أعطيتهم ، لا أن يعجب الخلق من « 3 » صنعهم ؛ فليس الذي اختاروه في القول سوى وصفهم رب العالمين بالعجز ، والعاجز لا يصلح أن يكون ربّا ، والله الموفق . وقوله - عزّ وجل - : وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ منهم من صرف التأويل إلى سجود الصلاة ، والمراد منه عندنا : سجود التلاوة ، وهو سجود الاستسلام والخضوع على الشكر ؛ لما أكرم المرء [ به ] من الإيمان وهدى الله ؛ لأن سجود الصلاة يكون عند فعل الصلاة ، لا عند ذكر التلاوة . ثم في الآية دلالة وجوب السجدة على السامع ؛ لأنهم عوتبوا بتركهم السجود عندما
--> ( 1 ) في أ : يؤمنون . ( 2 ) في ب : عن . ( 3 ) في ب : عن .